صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
92
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
فِي الدُّنْيا حَسَنَةً * « 1 » ، فهؤلاء حيوا بها حياة طيبة كما قال تعالى : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً « 2 » ، وفريق يتناولها لا على الوجه الذي جعلها اللّه لهم ، فركنوا إليها فصار ذلك لهم نقمة وشقاوة فتعذبوا بها عاجلا وآجلا ، وهم الموصوفون بقوله تعالى : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ « 3 » ، « 4 » . فالأخلاق في الإسلام - إذا - تعتمد على أهداف العقيدة الإسلامية باعتبار أن العقيدة الإيمانية معيار توزن عليه الأعمال والأقوال وكافة التصرفات ، لحفظ كرامة الإنسان وصيانته ، وتحقيق سعادته في حياته الدنيا ، والأخرى ، وعلى هذا فمردود الالتزام الخلقي ليس دنيويا فحسب وإنما أخروي أيضا . المقدمة الثانية : الأخلاق الإسلامية ومبدأ التكليف : الإنسان كائن مكلف ، ولهذا شواهده من القرآن الكريم والسنة المطهرة ، وعلى هذا يمكن فهم الإنسان وفهم هدف حياته ، فهو مبتلى بتبعة التكليف ، ولذا فهو مسؤول عن اختياراته وبناء حياته ، قال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ « 5 » . يقول أبو حيان في تفسير هذه الآية الكريمة : بيّن اللّه أن ما كلفه الإنسان أمر عظيم فقال : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ تعظيما لأمر التكليف ، والظاهر أن الأمانة هي كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي ، وشأن دين ودنيا ، والشرع كله أمانة ، وهذا قول الجمهور ، والظاهر عرض الأمانة على هذه المخلوقات العظام - وهي الأوامر والنواهي - فتثاب أن أحسنت ، وتعاقب إن أساءت ، فأبت وأشفقت ، . . . وحملها الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته « 6 » . والأمر كذلك ، فإن الإنسان لا بد أن يكون قادرا على الفعل والترك ، أي الاختيار لكي تصبح منه الطاعة بفعل المأمورية ، إذ أنه يكون عاصيا بتركه ، ويلزم أن يكون الإنسان عالما بالأفعال التي كلف بها ، إتيانا أو تركا « 7 » . ويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ . . . « قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : الأمانة : الفرائض عرضها اللّه على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم ، وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك وأشفقوا منه من غير معصية ، ولكن تعظيما لدين اللّه أن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم
--> ( 1 ) النحل : 41 . ( 2 ) النحل : 97 . ( 3 ) التوبة : 55 . ( 4 ) الراغب الأصفهاني : كتاب تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين ، بيروت ، دار مكتبة الحياة للطباعة والنشر ، 1983 ، ص 65 ، 66 . ( 5 ) الأحزاب : 72 . ( 6 ) البحر المحيط 7 / 243 ( بتصرف يسير ) ، وانظر صفة الأمانة ج 3 ص 510 . ( 7 ) راجع : عبد القاهر البغدادي ، كتاب أصول الدين ، ط 3 ، بيروت . دار الكتب العلمية ، 1401 ه / 1981 م ص 210 - 213 .